عين القضاة

مقدمة 84

شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان

الفصل الواحد والثمانون ( اختلاف معرفة اللّه باختلاف معادن النفوس ) كما أنّ لكل جسم مكانا مخصوصا وفيه معنى يحرّكة إلى حيّزه ولا يقف به دونه فكذلك كل نفس خرجت من معدن مخصوص ، واختلاف النفوس من اختلاف معادنها ؛ والناس معادن كمعادن الذهب والفضة كما اخبر عنه سيد الأنبياء - صلى اللّه عليه وسلم - وقد خلق اللّه في كل نفس معنى مخصوصا يحركها إلى معدنها الأصلي ولا يقف بها دونه . هذا هو الحق المشاهد الذي لا ريب فيه أصلا للعارف . وعن مثل هذا المعنى يترجم القرآن حيث يقول : « قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ » * . وحركات الجوارح آثار تلك المعاني التي ( عبّأتها ) القدرة الأزلية في النفوس اتماما للحكمة واظهارا لكمال اللطف والخبرة فالنفوس التي لا يكون بينها وبين الأول واسطة ، تنجذب إلى جنابه طبعا كانجذاب الحديد إلى المغناطيس ؛ وهذه النفوس هي العارفة باللّه حقا . وقوله - تعالى - « يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ » كناية عن أهل هذه المعرفة . وإنما عرفه هؤلاء معرفة حقيقية لأنه تعرّف لهم في تجليه من غير واسطة ، فاستغرقوا بكليتهم في معرفته . وقوله - تعالى - : « أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ » عبارة عن تعرّفه وتجلّيه لهم . وقولهم : « بَلى » عبارة عن استغراقهم في مشاهدة ذلك الجمال . ورحم اللّه شيخ الاسلام عبد اللّه الأنصاري فلقد أفصح عن هذا المعنى غاية الإفصاح حيث قال في بعض كلامه : الحق أراد في امتناع نعوته وعلوّ عزته أن يعرف فتعرّف فعرف ، لا بعلم فيعبّر